الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

145

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 74 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 74 ] ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ( 74 ) ثُمَّ للتراخي الرتبي ، لأن بعثة رسل كثيرين إلى أمم تلقوهم بمثل ما تلقّى به نوحا قومه أعجب من شأن قوم نوح حيث تمالأت تلك الأمم على طريقة واحدة من الكفر . وليست ( ثم ) لإفادة التراخي في الزمن للاستغناء عن ذلك بقوله : مِنْ بَعْدِهِ . وقد أبهم الرسل في هذه الآية . ووقع في آيات أخرى التصريح بأنهم : هود وصالح ، وإبراهيم ، ولوط ، وشعيب . وقد يكون هنالك رسل آخرون كما قال تعالى : وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [ النساء : 164 ] ، ويتعين أن يكون المقصود هنا من كانوا قبل موسى لقوله : ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى [ يونس : 75 ] . وفي الآية إشارة إلى أن نوحا أول الرسل . والبينات : هي الحجج الواضحة الدلالة على الصدق . والفاء للتعقيب ، أي أظهروا لهم المعجزات بإثر إرسالهم . والباء للملابسة ، أي جاءوا قومهم مبلغين الرسالة ملابسين البينات . وقد قوبل جمع الرسل بجمع ( البينات ) فكان صادقا ببينات كثيرة موزعة على رسل كثيرين ، فقد يكون لكل نبيء من الأنبياء آيات كثيرة ، وقد يكون لبعض الأنبياء آية واحدة مثل آية صالح وهي الناقة . والفاء في قوله : فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا للتفريع ، أي فترتب على ذلك أنهم لم يؤمنوا . وصيغ النفي بصيغة لام الجحود مبالغة في انتفاء الإيمان عنهم بأقصى أحوال الانتفاء . حتى كأنهم لم يوجدوا لأن يؤمنوا بما كذبوا به ، أي لم يتزحزحوا عنه . ودلت صيغة الجحود على أن الرسل حاولوا إيمانهم محاولة متكررة . ودل قوله : بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أن هنالك تكذيبا بادروا به لرسلهم ، وأنهم لم يقلعوا عن تكذيبهم الذي قابلوا به الرسل ، لأن التكذيب إنما يكون لخبر مخبر فقوله : فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ مؤذن بحصول التكذيب فلما كذبوهم جاءوهم بالبينات على صدقهم فاستمروا على التكذيب فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل . وهذا من إيجاز الحذف لجمل كثيرة . وهذا يقتضي تكرر الدعوة وتكرر البينات وإلا لما كان لقوله : فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وقع لأن التكذيب الذي حصل أول مرة إذا لم يطرأ عليه ما